جلال الدين السيوطي
261
الإتقان في علوم القرآن
وقد كتب الدّار قطني وجماعة بأنّ هذا الكتاب موضوع ، لا أصل له . ومثال ما نقله ثقة ولا وجه له في العربية قليل لا يكاد يوجد ، وجعل بعضهم منه رواية خارجة عن نافع : ( معايش ) بالهمزة . قال « 1 » : وبقي قسم رابع مردود أيضا ، هو ما وافق العربيّة والرسم ، ولم ينقل البتّة فهذا ردّه أحقّ ، ومنعه أشدّ ، ومرتكبه مرتكب لعظيم من الكبائر ، وقد ذكر جواز ذلك عن أبي بكر بن مقسم ، وعقد له بسبب ذلك مجلس وأجمعوا على منعه « 2 » ، ومن ثمّ امتنعت القراءة بالقياس المطلق الّذي لا أصل له يرجع إليه ، ولا ركن يعتمد في الأداء عليه . قال « 3 » : أمّا ما له أصل كذلك ، فإنّه مما يصار إلى قبول القياس عليه كقياس إدغام : قالَ رَجُلانِ [ المائدة : 23 ] على : قالَ رَبُّ * [ الشعراء : 24 . 28 ] ونحوه مما لا يخالف نصّا ولا أصلا ، ولا يردّ إجماعا ، مع أنه قليل جدّا . قلت : أتقن الإمام ابن الجزريّ هذا الفصل جدا « 4 » ، وقد تحرّر لي منه أن القراءات أنواع : الأوّل : المتواتر : وهو ما نقله جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب ، عن مثلهم إلى منتهاه ، وغالب القراءات كذلك . الثاني : المشهور : وهو ما صحّ سنده ولم يبلغ درجة التّواتر ، ووافق العربيّة والرسم ، واشتهر عند القراء ، فلم يعدّه من الغلط ولا من الشذوذ ، ويقرأ به ، على ما ذكر ابن الجزريّ ويفهمه كلام ابن شامة السابق . ومثاله : ما اختلفت الطرق في نقله عن السبعة ، فرواه بعض الرواة عنهم دون بعض ، وأمثلة ذلك كثيرة في فرش الحروف من كتب القراءات كالذي قبله ، ومن أشهر ما صنّف في ذلك « التيسير » للداني « 5 » ، وقصيدة الشاطبي « 6 » ، وأوعبه « النشر في القراءات العشر » « 7 » وتقريب النّشر « 8 » كلاهما لابن الجزريّ .
--> ( 1 ) النشر 1 / 17 . ( 2 ) انظر قصة هذا المجلس في تاريخ بغداد 2 / 206 - 208 ، والنشر 1 / 17 ، والمرشد الوجيز 1 / 186 - 192 . ( 3 ) النشر 1 / 241 . ( 4 ) وانظر منجد المقرئين ص 15 - 24 . ( 5 ) وهو مطبوع صادر عن دار الكتاب العربي بيروت . ( 6 ) وهي بفضل اللّه مشتهرة ، وشرحها كثير من العلماء . ( 7 ) وهو مطبوع متداول . صادر عن دار الكتاب العربي - بيروت . ( 8 ) لعله يريد تحبير التيسير . وهو مطبوع أيضا .